أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
385
قهوة الإنشاء
بسلاسل سطوره وسلّط عليه كشّاف والده . وأما العربية فهو فارس ميدانها ، وقائد عنانها . كم قال مغني ابن هشام : « هذا اللبيب والغني الذي ما ردّ لفقرى إليه مسألة » . وقال التسهيل : « أرجو أن يكون شهود شواهدي عند قاضي القضاة علم الدين معدله » . والبيان فقد فتح أبوابه بغير مفتاح وكساه ديباجة المعاني ، والحديث فكتبه الستة عوّذته بالسبع المثاني . وقد تميز من روى عنه وأسند إليه صحيح الخبر ، وناهيك بالسند العالي وصحة الرواية عن ابن عمر . والقراءات فهو مقرئ ضيوفها بفضله المتتابع ، فإنه كثير الفضل واللّه له عاصم وهو بعلومه نافع . والمنطق صار موضوعه به محمولا وعقود شمله منتظمة ، وبصحة منطقه وصلت إلى نتيجتها كل مقدمه ، والأدب فقرائنه الصالحة لم تخطب غير صالح وقد صارت مؤهلة به ، وقالت التورية : « ما شك أحد في حشمة قاضي القضاة وكثرة أدبه » . وأما الخطابة فما كرر سجعة إلا قالت الخطب النباتية : « هذا النبات المكرر » ، وود كف الثريا أن ينصب له الرامح علما رابعا على ذلك المنبر ، ومن جهل أن في مواعيده المستجاد والمستفاد ، وأراد العلم بذلك كأن بيننا وبينه ميعاد ، فلو أدركه ابن الجوزي قال بتبصرته : « هذا المدهش بمواعظه والمفضل » ، وكم قال الكرسي : « هذا ابني » وعوذه بالمفصل . ويطول الشرح عن بقية ما أودعه اللّه من العلوم ، وذلك بحمد اللّه عند الأئمة معلوم . فليرق إلى هذه الرتبة التي قطعت دونها المطالع ، ولكن طافت ببيته وكان لها إليه مسعى ، وليمش في حللها المهشمة بعلومه فإنه يستحقها شرعا ، ولقد هامت به شغفا من الأيام الجلالية ، وأبى اللّه « 1 » أن يعقد لها عليه عقدا إلا في الأيام الأشرفية . فلينظر في أمرها نظر صالح أظهر اللّه به سيف الشرع وأعلاه ، ونفذ له حكم ذلك السيف القاطع وأمضاه . وهذا المنصب تغزّل بأوصافه قديما وكان حديثه غير مفترى . وقال قلم الإنشاء : « لا بد أن أجري في ميادين الطروس بتقليده » وكذا جرى ، وها أقلام الأوقاف قد أطلقت الألسنة في وصف مناقبه وشكرها ، وقال لسان حال الواقف : « إن فني لساني فلتشكرنّك أعظمي في قبرها » ، وتقدّمه جماعة تقصر نهاياتهم « 2 » عن ابتدائه ، ولو عاشوا مشوا تحت علمه وتشرّفوا بحمل لوائه . ولو أدرك ابن دقيق العيد علومه قال :
--> ( 1 ) اللّه : قا : اللّه سبحانه . ( 2 ) نهاياتهم : طب ، قا : نهايتهم .